عن كتاب " أيام خارج الزمن"    "تطورات المشهد الفلسطيني" إصدار جديد للكاتب فراعنة    الشرطة الجزائرية تصادر ملابس إسرائيلية    نادي الأسير: المصاب كرجة لا يزال في العناية المركزة    الاحتلال يداهم بيت امر ويعتقل 3 مواطنين    ندوة "مدار" حول مئوية "بلفور": تناغم أوروبي مع الطموحات الصهيونية    "الثقافة" تبارك فوز فلسطين بمقعد اللجنة الثقافية في اليونسكو    قوات الاحتلال تصادر اسلحة وتستولي على اموال في الضفة    جيش الاحتلال يتوغل شرق رفح ويطلق النار على الصيادين    504 أسرى محكومون بالمؤبد
اليوم : 2017/11/24
القدس في 24/11
  متابعات ثقافية
نشاطات المؤسسة
ندوات وأمسيات
مهرجانات ومؤتمرات
معارض فنية
إصدارات
آداب وفنون
الشعر
القصة والرواية
المسرح والسينما
الفنون التشكيلية
أدب النكبة
أدب الأسرى
المقالة
عين على فلسطين
دراسات ومقالات
تاريخي وجغرافي
عائدون
دليل القدس الثقافي
القدس اليوم
تاريخ القدس
آثار وعمران
القدس في عين الأدب
رواد مقدسيون
التراث الشعبي الفلسطيني
الأغنية الشعبية
الأمثال والمعتقدات
الحكاية
العادات والتقاليد
الزي
الصناعات اليدوية
المقالة التراثية
قضايا وآراء
من وحي القرآن
أعلام وعلماء
أحسن القَصَص
الشباب والإبداع
الشعر
النثر
الفنون التشكيلية
 
ما رأيك حول بعض ما طرحه زعماء عرب بضرورة التقرب والتطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي ؟






نتائج التصويت تصويتات سابقة
واحة الفكر والثقافة 
الأنساق الخطابية لأدب الشتات والبحث عن الهوية
رامي أبو شهاب

 تُعنى دراسات الشّتات بالأنساق الخطابية التي تتخلل أعمال الكثير من الأدباء العالميين الذين اختبروا الشّتات، ومنهم محمود درويش، وجوزيف كونراد، وجيمس جويس، وسلمان رشدي، وف. أس نايبول، وأنيتا ديساي وغيرهم. فالحياة المتشظيّة التي يسعى الإنسان المشتت إلى إعادة بنائها، أو إعادة تجميعها، تقود إلى نسق من الكتابة بُغية تمثيل الشّتات، ومن هنا، فإن خطاب الشّتات يسعى إلى التّركيز على العلاقة بين الأوطان الأم (الأصلية) من جهة، والأوطان المستضيفة من جهة أخرى، وبين هذين التكوينين ثمّة مستويات تتمحور حول فكرة الانتماء وسؤال الهويّة.

سؤال القضية والمنظور

مع أن ثمة عدداً من القضايا التي تحتاج إلى تفعيل دراسات أدب الشّتات الذي يبدو أكثر ملاءمة لمناقشة الكثير من القضايا والسّمات كون هذه التجربة عميقة، وذات تأثير بالغ على البنية الشعورية للإنسان فردياً وجمعيّاً، وبناء عليه يتمظهر أدب الشّتات عبر عدد من الأنساق الخطابية الكامنة في عدد الأجناس التعبيرية على اختلافها، كالرّواية والشعر والقصة والسيرة، بالتوازي مع أعمال فكرية تختص بدراسة الشّتات. غير أن هذه الكتابة المعنيّة بالذات الجمعيّة تتصل بالتمثيل، ومن هنا نتساءل عمن يقوم بالتمثيل؟ هل هم المشتتون أم الدارسون كما يتساءل وليم سافران في دراسة له. 
هنالك إشكاليات تطال بينة الخطاب الخاص بالشّتات، علاوة على مناقشة طبيعة تلك الأنساق التي تتخلل هذه الكتابة، فالكتابة عن الماضي الاستعماري، والحاضر يعني أنساقاً من الوحدة والانعزال التي تتأطر في مجتمعات الغيتو، كما التشبث بالماضي، والتّفريق بين الهجرة والنفي، في حين أن هنالك كتابات أخرى تعنى بتشكيل هويات تاريخية وثقافية جديدة، وغير ذلك من الأنساق. لا شك في أننا إزاء تشكيل من الأنساق في خطاب الشّتات عامة، غير أن هذه الأنساق التي توصلنا إليها ما هي إلا نموذج لاستقصاء بعد اختبار عدد من الدّراسات، واكتناهها، ولاسيما للباحثة سوجراثيا. 
لا شك في أن هذه الأنساق قابلة لاستقبال أنساق أخرى، من منطلق أن الشّتات خاضع لتحوّلات متعددة لا يمكن التكهن بها تبعاً لاختلاف السياقات الزمنية والمكانية، وتباينها، بيد أن الملاحظ تداخلها بشكل جلي لكونها ذات تعالق بنيوي اجتماعي، فالشّتات عملية معقدة، حيث يصيب البنية الكلية للإنسان الذي يواجه تحولا كاملاً، فالشتات ينشأ بوصفه نتيجة وسبباً في الآن ذاته، ولهذا تتخذ هذه الأنساق موضعها نصياً بناء على المنظور الذين تُعاين من خلاله، سواء أكان العامل العرقي، أو المكان، والزمان، علاوة على دوافع الشّتات، وغير ذلك.

الأنساق الخطابية

يشار إلى أن أهم أنساق كتابة الشتات ما يتمثل في الإحساس بالاقتلاع، وهو الشّعور الملازم للمشتت الذي يفقد إحساسه بالتمركز في المكان والثّقافة، فينشأ منقطعاً عما حوله، وساعياً في الآن ذاته إلى محاولة ردم هذه الفجوة الوجودية، ومن هنا تأتي الدّراسات ما بعد الكولونياليّة على نماذج، ومنها على سبيل المثال لا الحصر سلمان رشدي، وإدوارد سعيد. فالكتابة في هذا الموضع تذهب للتركيز على الإحساس بالخسارة، وعدم القدرة على استعادة ما كان، وهنا لا يقتصر الأمر على المكان (الجغرافيا)، إنما يشمل الأمور المعنوية، وهذا يقودنا للبحث عن فعل التشتت والطرد، فهل تم الأمر بشكل طوعي أم قسري.
يأتي التذكر والحنين (نوستالجيا) بوصفه أفعالاً تؤدي إلى خلق طابع رومانسي، فالمشتت يعاني من الوحدة والانعزال والغربة في الأرض الجديدة، بموازاة عدم القدرة على الانسجام، أي ثمّة مشكلة على مستوى الهويّة، والاندماج ما يجعل الخطاب الأدبي معنيّاً بتمثيل هذا المستوى، كما في العديد من الكتابات ذات الطبيعة الارتدادية للأوطان المتروكة. ومن ثم يظهر الاضطرار إلى التّعديل المستمر، وهذا يتحقق عبر تقبل الثّقافة الجديدة، أو المضيفة، ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق بشكل كلي، ما يؤثر على الأجيال نفسياً، فعلى الرغم من أن الأحفاد يولدون وينشأون في الشّتات – فلا جرم أن يعدّ البعض ثقافتهم جزءاً من الثّقافة المستضيفة – غير أن التمييز (العنصري-العرقي) يضطرهم في ما بعد للتساؤل عن جذورهم وخلفياتهم الثّقافيّة والسياسية، فضلاً عن العودة لها، وهذا يقودهم إلى التفكير أو التصرف بشكل سلبي، ولا سيّما في ظل الخطر الذي تستشعره بعض المجتمعات المستضيفة، نتيجة وجود اللاجئين أو المشتتين الذين يتحولون أحياناً إلى كبش فداء لتحقيق بعض الأهداف السّياسية، وهذا يؤدي إلى تنميطهم عبر مُتخيل نصي في معظم الأحيان.
يُبرز القلق أحد تلك الأنساق، وبشكل خاص لدى الجيل الأول الذي يقاوم الثّقافة المستضيفة من خلال التمترس خلف الثّقافة المحمولة، أو الأولى الأصلية، ولكن بحرفية عالية، لذلك يعيشون بغيتوات، أو أحياء أو مخيمات بغية تمكنهم من ممارسة ثقافتهم بحرية، ولذلك تبقى سياقات الفضاء الأدبي محصورة في هذا التشكيل، وأبرز نموذج له أعمال نصية محددة تتموضع في المخيمات الخاصة باللاجئين، كما تبرز في عدد من الروايات. في حين ينشأ البحث عن الهويّة باعتباره نسقاً من سوء الفهم الذي ينعكس بشكل جلي في الكتابة، من حيث اللجوء إلى كتابة سير ذاتية ذات طابع روائي، أو عبر اللجوء إلى الماضي للبحث عن الهويّة، ولذلك يتميز الأدب بهيمنة ثيمة الاسترجاع على سبيل المثال، ومن ذلك سيرة القرى والمدن بطابعها الجغرافي، فالكتابة في الشّتات تسعى إلى تطوير، أو خلق متخيل ماضوي خاص بهم يرتبط بالمكان، أو أن يلجأ بعض الكتاب إلى ابتكار شخصيات خيالية، ومواقف لتطوير ذواتهم. ومن المسائل المتعلقة بأشكال الأنساق السياسية الجنسية، سواء للأنثى أو الذكر إذ سرعان ما يبادر إلى بناء متخيل ذكوري فحولي للتعويض عن التبعات السّلبية للشّتات على الذّات، ليتحول الجنس إلى وسيلة لتفريغ فائض شعوري، أو يتحول الجنس إلى سمة للدلالة على الاستمرارية للتكوين الإنساني ببعده اليومي المألوف، وهذا مما يمكن أن نلمحه لدى معظم أجيال الشّتات على حد سواء، فضلاً عن الحصار، وتبعات الشّتات على التّكوين الأنثوي بوصفها مجالا مهدداً.

الكتابة وأدب الشتات

تعد الكتابة الهجينة من أهم الملامح الخطابية للشتات، وتتضح في كتابات الجيل الثاني، أو الاجيال التي نشأت في الشّتات، فهم يتميزون بهوية ثنائية (متعددة)، فالبعض منهم يعدون المنفى وطنهم، على الرّغم من أن بعض المجتمعات قد تنبذهم، إلا أنهم يحاولون تشكل هوية خطابية هجينة، تسعى إلى المزج بين فضائين ثقافيين. وتبرز الكتابة الثنائية والمتعددة، أو بعبارة أخرى «الاحتفاء بالاختلاف»، وتتسم بنمطين أساسين، فهناك من يركز على الوطن الأصلاني، ولاسيّما لدى الجيل الأول الذي عرف المكان وخبره، ولهذا فهو عالق بمبدأ التذكر. وهناك من يركز على مكان الإقامة أو الاستيطان، فالأول ينقل كتابته إلى الوطن لنقده، أو كي يقدمه للقراء، للأجيال الجديدة، أو لممارسة نوستولجيا، كأداة للتذكر، ومن أهم الكتاب العالميين بهذا الصدد رشيدي ويتران ديساي، أما الذين يركزون على الأوطان الجديدة فيهدفون إلى عكس التّحولات القاسية التي يعيشونها، أو لتمزيق قناع الثّقافة المتعددة من خلال تصوير العنصرية أو لتصوير نقدهم لها. ويظهر التمايز الكتابي، لاسيّما بين أجيال الشّتات أو بين تجارب الشّتات المختلفة، فالأجيال الأولى عالقة، تحتفي بالتمركز الخطابي حول أنماط حياتهم المبكرة في الأوطان الأصلية، في حين أن الجيل الثاني يتقبل البعض منهم الأوطان التي ولدوا فيها بوصفها أوطانهم، مما يولّد عدم الرضا عن أنماط حياة آبائهم، مما يؤدي إلى سوء فهم بين الجيلين، وبوجه خاص حول الممارسة الثّقافيّة والاجتماعية. وتتميز الكتابة الشتاتية بالمبالغة والتهويل، ومن مظاهرها التخلي عن الرّصانة والسكينة الإنشائية، ليحل بدلا منها المبالغة والتهويل والإرادوية، كما تذكر جبريال فريال غزول، فضلاً عن مقاومة البعد الاستهلاكي على المستويين الثقافي والاجتماعي، وحتى اللغة، وبعبارة أخرى مقاومة السائد، مع الشعور بالمؤقت، وبشرطية الكينونة حيث تحال الحدود والحواجز إلى سجن، حيث تشير غزول إلى بروز هذا النسق، وهنا إشارة إلى انبثاق هذه الكتابة بوصفها ممارسة مائزة، ومنتشرة، إذ تتسم بموقفين متباينين، الأول: يكون المنفى والشّتات دافعا للمرأة للخروج من أزمتها الأنثوية، ثانياً: محاولة لإثبات ذاتها حيث تتقاطع تجربة الشّتات بوصفها مجالاً لمصادرة الهويّة السياسية مع مجال الهويّة الجنسوية الثّقافيّة للأنثى، أو عدم المساواة الجنسية. في حين تبقى بعض الكتابات رهينة هاجس العودة للوطن، أي رفض الأوطان البديلة، كما نستخلص من تعليق فريال غزول حول عملي أديبتين من الهند من كتاب «نساء في تقسيم الهند» لريتو مينون وكاملا بهاسن. 
وتأتي الإزاحة باعتبارها الانتقال المادي المتمظهر في بعض الأحيان خطابياً، لذلك نجد عناية مفرطة بالمكان، سواء في الوطن الأصلاني، أو المستضيف، وهذا يتم عبر إبراز القيم العلمية للأمكنة، وخصائصها التاريخية بالاتكاء على موروث ومرجعية واقعية في ما يتعلق بفعل الارتحال، وآداب الرحلة الشّتاتية، وهذا ما يقود إلى التشظي أو التشقق اللغوي، فتنشأ إشكاليات واضطرابات في التكوين اللغوي، وهذا يشمل مستوى اقتراض اللغات، مخاطر فقدان اللغة، وتفعيل اللهجات المحلية، ومقاومة اللهجات أو اللغة المستضيفة عبر أنماط من التخريب اللغوي، على الرغم من أن هذا النسق قد برز مع الأنساق المقاومة في بنية الآداب ما بعد الكولونياليّة، غير أنه تسرب إلى الكتابات المعنية بالشّتات وأدبه.
تتميز الكتابة ما بعد الكولونياليّة في بعض مظاهرها بخصائص ينهض معظمها على النسق التخيلي المعني باستعادة أحوال المجتمعات الأصلية، ولكن باللغات الاستعمارية كما يشير عبد الله إبراهيم، إذ يحدد الكتابة الاستعمارية بنمطين: هما الكتابة الهجينة التي يحوم الشّك حول قيمتها، والكتابة البيضاء الأصلية المعترف بها. يلاحظ أن عبد الله إبراهيم يعاين بمنظور متشكك حول أثر الكتابة الهجينة (المنفية) التي تتحــول إلى كتابة منقطعة عن سياقين، فهي تتسم بكونها أقرب إلى هذيانات شخصية، أو سير ذاتية، مضخمة، أو تأملات وجـــودية مبهمة، تصور حالات إنسانية غير مستقرة، لا تتسم بأي نوع من الانتماء، كما يصف الباحث العراقي، وهــــذا ما يجعلــــها متخمة بقلق الانتماء، أو فكرة الانعزال، وهو بالتحديد ما أشارت له آنيا لومبا في معرض تحليلها لهذه الأنماط من الكتابة، في كتابها اللافت «نظرية الاستعمار» الذي سعت من خلاله إلى وضع توصيفات خاصة بآداب ما بعد الاستعمار أو الكولونياليّة.

منظور عام

ثمّة مجالات واضحة تنشأ عن تداخل بعض هذه الأنساق في التكوين الشّتاتي، فعلى الرّغم من أن كافة هذه الأنساق لا يمكن أن تكون منجزة ومنتهية، كون الشّتات تجربة دائمة التغير، غير أنها يمكن أن تشكّل منصة للانطلاق لاختبار هذه التجربة عبر المتخيل السّردي، فالاهتمام بأساطير الهويّة، والأصالة، واللغة، كما العنصرية، والتمثيل، والكتابة المضادة، تبقى تصوّرات قابلة لاكتناه معمّق لتلك الخطابات، التي تتكئ على أنساق تحتمل تجانساً كبيراً، أو ربما تكون كتابات غير متجانسة، ومع ذلك، فإن السعي المنهجي يتمثل بالجميع بين هذين المستويين من حيث التجانس وعدمه في كتابة الشّتات ضمن المتخيل الروائي.
وفي الختام، فإن الكتابة عن الشّتات تتخذ طابعين، أولاً: الاحتفاء بالنقل الشفوي لدى مجموعات من الشّتات لم تنل نصيبا من التعلم. ثانياً: تطوير كتابة تختص بالمتعلمين والمثقفين؛ ولهذا فهي تستند في فلسفتها إلى عملية توثيقية، غير أنها تُعنى بالقيم الجمالية للتشكيلات النصيّة، ومع ذلك فربما تبرز أوجه الاختلاف ببعض القطاعات التي تتصل بمشاكل تنشأ تبعاً لبلدان الشّتات المستضيفة، ومن ذلك مشاكل الهجرة، والعنصرية، والبيئة الجديدة، واللغة، والثّقافة، والتمييز، والعزل، وأزمة الهويّة، كما الصدمات النفسية، وبوجه خاص الإحساس الخسران. فالمشتت يلجأ إلى الإبقاء على تراثه مع محاولة تعديله بهدف تحقيق الاندماج، وهنالك أيضاً البحث عن الجذور، والتراث، علاوة على بروز خطابات خاصة بالغيتوات التي تنهض على الاحتفاء المبالغ فيه بتجسيد قيم الانفصال، والتمييز والمقاومة والصمود، وهكذا نستنتج بأن دراسة الشّتات تبقى قابلة لمنظورات متعددة، كونها تنتمي إلى حقل الدّراسات الثّقافيّة التي تبدو شديدة التعلق بتأمل ذاتها، وإعادة إنتاج مقاربات جديدة تبعاً لتحولات الثّقافة التي تتسارع يوما بعد يوم.
كاتب فلسطيني أردني

المصدر : http://www.alquds.co.uk/?p=777551
عدد القراءات : 72
2017-08-24
إلى الأعلى إرسال لصديق PDF طباعة إضافة تعليق
 
 
© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة القدس للثقافة والتراث