عن كتاب " أيام خارج الزمن"    "تطورات المشهد الفلسطيني" إصدار جديد للكاتب فراعنة    الشرطة الجزائرية تصادر ملابس إسرائيلية    نادي الأسير: المصاب كرجة لا يزال في العناية المركزة    الاحتلال يداهم بيت امر ويعتقل 3 مواطنين    ندوة "مدار" حول مئوية "بلفور": تناغم أوروبي مع الطموحات الصهيونية    "الثقافة" تبارك فوز فلسطين بمقعد اللجنة الثقافية في اليونسكو    قوات الاحتلال تصادر اسلحة وتستولي على اموال في الضفة    جيش الاحتلال يتوغل شرق رفح ويطلق النار على الصيادين    504 أسرى محكومون بالمؤبد
اليوم : 2017/11/24
القدس في 24/11
  متابعات ثقافية
اخترنا لك
المزيد
نشاطات المؤسسة
ندوات وأمسيات
مهرجانات ومؤتمرات
معارض فنية
إصدارات
آداب وفنون
الشعر
القصة والرواية
المسرح والسينما
الفنون التشكيلية
أدب النكبة
أدب الأسرى
المقالة
عين على فلسطين
دراسات ومقالات
تاريخي وجغرافي
عائدون
دليل القدس الثقافي
القدس اليوم
تاريخ القدس
آثار وعمران
القدس في عين الأدب
رواد مقدسيون
التراث الشعبي الفلسطيني
الأغنية الشعبية
الأمثال والمعتقدات
الحكاية
العادات والتقاليد
الزي
الصناعات اليدوية
المقالة التراثية
قضايا وآراء
من وحي القرآن
أعلام وعلماء
أحسن القَصَص
الشباب والإبداع
الشعر
النثر
الفنون التشكيلية
 
ما رأيك حول بعض ما طرحه زعماء عرب بضرورة التقرب والتطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي ؟






نتائج التصويت تصويتات سابقة
واحة الأدب والفن 
ذاكرة الشعر... ذاكرة الوطن...الشّاعر: أحمد دحبور.
خاص مؤسسة القدس للثقافة والتراث - بقلم الشاعر الناقد محمود حامد

 

 
 

...تمتدّ سلسلة الدّراسات المتعلّقة بالشّعراء الفلسطينيين... ذاكرة الشّعر... ذاكرة الوطن لتصل بالشاعر: أحمد دحبور لحلقتها والتي تحمل الرّقم: - 65 – وهذا فضلٌ من المبدع... أضعه في الحسبان.. ما عشت، كون المشروع حلقة في مستحيل الظنّ، والتصور، ولكن تصميم الإرادة: فوق كل تصور، ومستحيل!!؟ فما أجمل أن ترى.. غرسك الذي غرسته يتطاول من: عشبة... ليّنة... طريّة العود كالقصب الطريّ... النّديّ.. إلى شجرةٍ شاهقةٍ حدّ الغياب القصيّ.. البعيد، وارفة الظلال والثمر، تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها!!! والثّمر... ليس أيّ ثمر!!؟ إنّه الشعر!!! ذلك المنتج المفرد: عذوبةً، وسحراً، وبهاءً، وبياناً!!!، والعثرة في الموضوع، وقد تخطيتها بفضل الله وكرمه كانت تكمن في العثور على السّيرة الذاتيّة للشاعر، وشعره، ومجموعاته، ثم دراسته الدراسة الوافية... ببضعة جهدٍ من عندي، وجلّ الجهد الرّائع من الإخوة في مؤسسة القدس للثقافة والتّراث، فقد تمّ تذليل العقبات، وها نحن نحصد ثمار جهدنا بحلقة لم نكن نحلم أن نصلها، بل وثقنا من الوصول إليها، وهي كما ذكرنا: - الحلقة 65 – أحمد دحبور!!! حيث بدأت قنوات أخرى كثيرة تفتح على موقع القدس، وتشاركه نقل هذا الملف الموسوعي، بحيث ينتشر الإنتشار الأوفى والأكبر هدية: لفلسطين وشعرائها... ذاك النّبت الطيب الرائع، وكلّي أمل في المستقبل القريب أن تصدره القدس ضمن عملها الدؤوب المثمر البهيّ في مجلدات/ موسوعيّة ليكون توثيقاً حيّاً وخالداً للأجيال، يشار إليه بكلمة /وسام على الصّدر لنا جميعاً: - " أنّه نفحةٌ جادّة وطيبّة للوجدان الذي اشتغل عليه، والذاكرة المثقلة به عبئاً، وأمانةً حتّى تحقيقه بإنجازه الكامل، وأنّه شجرة الحياة لأدب الحياة...يمرّ في الزمان: صباً فتياً لا يشيب ولا تعتريه الكهولة، بل يظلّ نضر الملامح، ساحر البيان، أخضر العود كصنوبر فلسطين وبرتقالها، وزيزفونها... على امتداد الدّهر الرّحيب-"... وأعود فأقول: إنّه الشعر/ الشّهد والذي يملك سرّه وبيانه في نفحاته المجبولة بمسك الإلهام، وعصارة الوجدان، وممتلك الذاكرة من عبق المتخيّل، ونضارة مغناه، ثمّ: أوّلاً  وأخيراً من ذلك الدّفق الشّجيّ والذي يوحي من أوّل الدّهر للأنبياء، ثم أتمّه إيحاءً للشعراء، ثمّ تداولته الأجيال بنداوته، وطلاوته، وعذوبته، وسحر بيانه، ليغدو القطرة المنعشة النّديّة لظامئٍ في التهجير يريد أن يرتوي. 
... ولأنّ فلسطين ذاك الجرح/ الوجع المهمور بالدّم والشّعر، ونداوة المغنى: الشجيّ الخلاّب، والمقارب حدّ التوحّد بالتّسبيحة ذات الإيقاع السّماوي المبجلّ، والترنيمة التي يصحو عليها الفجر، وعشّاق الفجر للصّلاة، ولأنّه تهليلة الأمّ لصغيرها!!! فإنّ صوت الغيب.. وحده الذي يوقظ هذا كله للغناء في كلمة مثيرةٍ مفردة هي الشعر، ولا بديل، أو مقارب له: لا في دوحة الوجود، ولا في دوحة الخلود، إلاّ في ما يجتمع عليه الشعراء شعراً، ويتناوبونه... غناءً، ولكن لكلّ شاعر صوت ومغنى، ولكلّ مغنى إيقاعه، وبوحه الخاص... لذا، فإنّ هذه الحلقة ستتناول أحد شعرائنا المعاصرين... أحمد دحبور... 
بما ألهم من شعر، وأوتي من مغنى مثل رفاقه الآخرين: فلسطين.. الشعر والمغنى، دمنا المداد، ووجداننا منبع الإلهام ومصبّه، ووجدنا الجارح هو اليراع عند الكتابة، وأيضاً تلك الدّمعة الجارحة التي تكشف هويّة قتيلها العاشق، وجنون انتمائه الّلامحدود، والأزلي لفلسطين، وقصيدة: [جنسية الدّمع تكشف]: هويّة وشعرية أحمد دحبور جميعها من ألف الحياة إلى ياء القصيدة، وبين هذين الحرفين يكمن سرّ وبيان وسحر اللغة التي يختلف اشتقاقها شعراً عمّا في الأرض كافّة من – "مستلهمات الوجود" -:
... صباحٌ من الغبش الحلو يفتح باب النّهار
نهارٌ من الصّحو إلاّ بقايا الغبار
مدارسٌ من أملٍ، والأمل ترجّل عن حلمٍ في عيون الكبار
إلى فرحٍ يرتجل...،
فمن أين خوذة هذا المسربل بالبقع السّود؟
كيف انطوى العشب تحت الفتى وتلوّن بالزّهر؟
هل كان يدري إله الجنود، بما سوف يدري إذ أطلقوا النّار؟
أسمع صفّارةً، وأرى صوت حوّامةٍ في السّحابة.
يرمي الجنود حروف الكتابة بالجمر،
فالحال في حالةٍ... ويئنّ المضارع،
والشارع الآن جملة حربٍ،
دريئتهم كلّ رأسٍ وقلبٍ،
أصابوا النّهار، إصابته غير قاتلةٍ،
فالرّصاصة في كتف الفجر، والنّهر يجري،
وروح العصافير تسري،
وما هي إلاّ دقائق، وما هي إلاّ رقائق من شجر الورد والصّبر،
حتّى يطير الجناحان، والنّهر يجري فلا يملأ البحر،
يصعد من رئة البحر البحر قوسا قزح
وما هي إلاّ حدائق كانت نساء، وأزواجهنّ، وطفلين،
حتّى يسيل الصّباح دماءً،
تغذّي مجنزرةً بالوقود، 
فيربض فيها إله الجنود ويضحك
تبكي ملائكةٌ غادرت قبر يوسف،
تعجز عن أن تردّ الكلام الذي لم يصل، بعد إسماع تلميذتين
فأسمع دمع السّحابة، من رامة الله تسري إلى طولكرمٍ
ونابلس والخليل إلى خان يونس... من صخرة القدس حتّى رفح
وتبكي ملائكة جاورت قبر يوسف.
سيّدنا الخضر في بئر زيت
سيدخل في كلّ موت
ويخرج من نخلةٍ ضربت موعداً للقيامة في عمق دير البلح
ونعرف جنسيّة الدّمع منذ بكى آدم،
يا فلسطين.. يا دمعة الله...،
للحزن أن يترجّل يوماً،
ليدخل من بيت لحمك طفل الفرح
ونعرف ماذا يّخبئ، في الدّمع، هذا القطار
ولكن أيرجع من ذهبوا؟
لقد ذهبوا ليعيدوا النّهار
ولكنّهم ذهبوا
        *
ولسنا نكابر... بل هدّنا التّعب
سنفقدكم كلما هدأ البيت
هم عوّدونا: إذا حضروا يزهر الصّخب
ولا ينتهي الشّغب الحلو، يا روحهم أنت يا شغب
        *
وعند المساء يجيئون بالكتب المدرسيّة، والقدس،
والفرح المرتجى... والنّهار
سيعبث أصغرهم بكراريس إخوته، ويدور الشّجار
ونضحك، نفتح نافذةً فنرى أفقاً لا تعكّره البقع السّود،
يمضي الجنود... ويبقى الصّغار
سنكتشف البحر، نسرح في السّهل،
نصغي لنبض الحصاة بقلب الجبل
ونوقظ من نومه.. جبلاً غارقاً في الأمل
سنفعل هذا وأكثر: نضحك... نبكي
سيصبح هذا ربابتنا... ونحكي 
ولكن.. لماذا يباغتنا الدّمع؟
يا أملاً ذهبوا ليجيئوا به... فلتجئ
و يا قمراً ذهبوا يقطفون لنا ضوءه... فلتضئ
و يا غد... فلنبتدئ يا غد الغد يا غدنا
لقد نام عمراً، وآن له أن يفيق الجبل
وآن لنا...
        *
... كما ذكرت في فواز عيد، وصالح هوّاري، وراشد حسين، والبحيري، وغيرهم من شعرائنا... والذين تجاوزوا الكتابة إلى الإبداع، والمكرّر إلى المبتكر، والشّبه الخالص إلى الخلق الخالص... فأحمد دحبور... ذاك الفتى الأسمر.. والذي ابتكره مخيم العودة في حمص ليكون.. ليس شاعر المخيم فقط، ولا شاعر فلسطين وحدها... مع أنّه كان!!! ولكن صوت شعر الوطن على مدار الزّمن، ليس ضمن رقعة من الأرض مساحتها كذا وكذا، ولكن ضمن مساحةٍ من جموحٍ تشبه انفلات خطو المهر من ساحه الضّيق لفضاء مداه المطلق!!! فقصيدة دحبور: "جنسيّة الدّمع"... لا تقف عند حدود دمعة انهمرت وعبرت، وانتهت!!! بل تحوّلت إلى فعل دراميّ "إلياذي"... طاف الدّهر، والتاريخ، وبكائيّة الدّم الأولى في الزمان فجرّتها يدٌ غدرت بأختها فكانت محنة قابيل وهابيل: أوّل فعل دمويّ في التاريخ فجرّ أوّل فعل دراميّ في التاريخ!!! ولكنّ القصد الأكثر إثارةً: جنسية دمعة أحمد دحبور!!؟ دمعة استثناء تختلف تماماً عمّا عهدناه من دمعٍ عبر الأيام: دمعة فرح، دمعة لقاء، دمعة حبّ حارق كمجنون ليلى، دمعة فقدان، دمعة انكسار، وهكذا... وهكذا...ولكنّ جنسية الدّمعة التي طرحها الشاعر دحبور: ذهبت وغابت بعيداً في (الميثولوجيا/الأسطورة، القصّ القرآني، الوقع الضاري لفلسطين أرضاً وشعباً، حركة الدّمع الأسطورية التي كانت مفتاح العبور لوقائع ومتخيلات كانت تهيم كالغمام الرّماديّ في الذاكرة، ثم كشف الشاعر عن ملابساتها لمّا سلّط عليها ذاك النموذج المبهر من الأضواء، فإذا بها في النهاية تحوّم بجنون خارق حول طفولة فلسطينية خارقة انطلقت من الشّجار، وكسر الصّحون، والصّخب الطفولي المحبب، والشّغب المثير إلى فعل مقاوم ضارٍ لا مثيل له في التاريخ عشناه في: - طيور أبابيل حقيقية – صدق القرآن الكريم حديثه عنها، فعشناها: "وما ينطق عن الهوى"، والنماذج كثيرة جداً في تلك الطفولة، ولكنّ المثير الخارق زغردات الأمهات: بدمعةٍ خارقةٍ عند الوداع، ودمعة خارقة عند الإستشهاد، ودمعة الدّمعات جميعها الأحدّ ضراوةً لدى زفاف الشهداء إلى القبور التي تحوّلت إلى أسماء!!! أسماء لا: شبه، ولا مثيل لها في الوجود: [فارس عودة، محمد الدرّة، وفاء إدريس، آيات الأخرس، و... و... وا ولا تنتهي لأنّ الأسماء لا تنتهي... فقط: تلك الأسماء الفلسطينية التي شكلّت اسم وطنها بدمها، من دم الوردة إيمان حجّو إلى دم الرّيحانة وفاء وآيات، إلى دم الزيزفون: فارس ومحمد، ثمّ: تعاقب الدّم لينتج برتقاله وتينه وزيتونه وزعتره وصنوبره، والقائمة تطول!!.
... كيف أبدع أحمد دحبور قصائده!!؟ وهو ربيب الجثث التي فتّح عينيه عليها، لأنّ مهنة والده كانت صياغة القبور الّلائقة بشهداء الغربة والمنفى الذين سقطوا غرباء بعيدين عن الوطن جداً، ولكنهم أقرب القريبين جداً للوطن!!! لقد استنبتت المخيمات من رحمها الضّاري أرقّ شعراء الوجود، وأعتى شعراء الوجود!!؟ فكيف لا نقف بجنون المتعة عند عنوانٍ استثناء هو ابتكار شاعره: 
..." – جنسية الدمع – "...
.... قليل جداً من يستوعب العنوان، ويدرك مراميه!!؟
-ولكن أليس العنوان هو مفتاح العبور للقصيدة وخفاياها!!؟
-"بلى"!!!
... ثمّ لو دلفنا إلى المتعة الأعلى فيما وراء النّصّ، فكم سنقف ونعيد ونردّد:
... صباحٌ من الغبش الحلو يفتح باب النّهار
        *
... كيف انطوى العشب تحت الفتى.. وتلوّن بالزّهر!!؟
        *
... فالرّصاصة في كتف الفجر، والنّهر يجري، 
وروح العصافير تسري...،
        *
... ثمّ هذا التّعبير الموجع حدّ الضّراوة عن استشهاد بعض أبناء الوطن،
والتعبير عن الإستشهاد بالرّمز الدرامي المثير دون المباشر الواقعيّ:
... "وما هي إلاّ حدائق...،
كانت نساءٌ، وأزواجهنّ، وطفلين
حتّى يسيل الصّباح دماءً،
تغذي مجنزرةً بالوقود!!؟
        *
... نوع من الإبتكار لفعل الإستشهاد بالتّلميح المرّ.. دون التّصريح الجاف!!! والذي يصل بارداً مع الأخبار العادية ، أو عادياً مع شعراء عاديين!!!
*
... ثم تلك العودة/ الحامل: قصة يوسف حين تصبح مدخلاً لقصة فارس عودة، ورفاقه/ الشهداء: العودة للرمز القرآني... دلالة من دلالات الشعر:
... تبكي ملائكة غادرت قبر  يوسف،
تعجز أن تردّ الكلام الذي،
لم يصل، بعد، إسماع تلميذتين
... ولعلّ الصّدمة القاتلة بدأت بابني آدم... والدنا آدم والذي: خلّف لنا أوّل جدّين في التاريخ يمثلان حركة التضاد البشري القائمة بني الخير والشر ثم توالت متعاقبةً من بعد قابيل وهابيل:
... "ونعرف جنسية الدّمع منذ بكى آدم"، وذاك جواب العنوان. 
... في حديث الشعر عن فلسطين الوطن والحبّ والذكريات والحصاد والمواويل، فإنّ: حكاية الشعر هنا... حكاية حزينة جداً.. ومؤثرة للغاية!! فهي تشبه بتفاصيلها النّازفة روايات العجائز والكبار – سابقاً.. وقليل جداً الآن – لأنّ كبار الذكريات مضوا، والروايات الطويلة حول المواقد انتهت من زمان... حين كان أولئك يتحلّقون حول المواقد والقهوة المرّة، يسترجعون فلسطين: ليلةً ليلة، ونجمةً نجمة، وسهرةً سهرةً، وكلّما أوغل المرء في العيون، غصّ بما يرى: دمعة تغالبها بسمة، ورعشة تقاربها آهة موّال وهكذا، لكنّ اليوم... اختلف عن الأمس، وتنوع حديث الشعر، وقصر الطريق للحكاية والذكريات، ولكن.. ظلت فلسطين تستحضر أشياءها الرّائعة لدى الجميع، هي البدء الأجمل، ثم يتنوع الشعر، والحديث، وتبرز الومضات الشعرية الخاطفة لتعبر عن قطار الشعر السّريع، والذي يختصر الأشياء بتلك الومضة الخاطفة، ولكنها تحمل كثافة الرؤية، واتساع مسافة الفكرة والعبرة فيها: "فطبيعة صامتة".. قصيدة الومضة التي تشبه ذاك التشكيل المكثف في لوحةٍ طارئة، يقول دحبور في ذاك الومض الخاطف:
... تطلب الياسمينة ماءً،
لا ضوء يكفي ليغسل وجه المكان
والعطر يرسله الياسمين إلى لا أحد
تجعّد في المزهرية، وانفرد
لم تضيء شمعه،
كلّ ما كان أنّي هنا وهناك،
ويمكث، حيث تركت ، الزّبد
         *
... هذا التّعبير الخاطف السّريع، يشبه لطمة الموجة الخاطفة للضفّة المستكينة لصمتها، ونومها، تأتي لطمة الموجة فتوقظها على صحوةٍ مباغتةٍ... أرقةٍ... راعشة... هذا حال: - ومضة الشعر مع ضفتها الوادعة المستكينة، عكس موجات الشعر الهادئة الطويلة، المسترسلة بمغناها الطويل، حيث توقظ الضفة المسترسلة بنومها على إيقاعها المتواتر بنغماته المتدفقة شيئاً فشيئاً... فتتنبّه الضفة شيئاً فشيئاً بصحوةٍ متباطئةٍ مطمئنةٍ مع افترار الثغر عن بسمةٍ تبدأ بضحكةٍ كضحكةٍ نجمة صغيرة كالبرعم في فلكها البعيد، ثم تتسع الضحكة لتصبح ضحكة هلالٍ قمريّ شاخ عاشقاً على شرفة انتظاره لنجمةٍ عابرة!!! ذاك حال الياسمين في ومضة دحبور، وحال الضوء، ووجه المكان، وتجعد الياسمين في المزهرية، وأنا المتبعثر هنا وهناك كالزبد المبعثر على الضفاف!!! هذا كلّه حكاية طويلة كالنخلة، وقصيرة كالعشبة.. حيث لكل منهما تأثير ذاته في مكانه: صغر أو كبر، فلكل شأنه في الحياة... صغر الشأن أم كبر، فإنه جزء من جماليات الحياة، وحكايتها مع الزمان، هذه ليست فلسفة، ولكنها جملة واحدة... تختصر حكمة الأشياء على من حولها، وما حولها لتغدو فيما بعد في متخيّل الشاعر شأناً ذا قيمة حيوية للغاية، يصغر الشّأن، كما ذكرنا، أو يكبر، فإنّه في النهاية ومضة تلد قصيدةً، أو قصيدة تلد ومضة. ذاك شأن القصيدة بموضوعها، والومضة بمبعثرها الملوّن بشهقة برقه العابرة.
... تقول الحكمة: "يضحك من النّدوب من لا يعرف الجراح"!!!؟ فالنّدبة هي الومضة فلعلّ تلك النّدبة تحمل من الألم مالا تطيقه الجبال، ومع ذلك استصغر شأنها لدرجة الضحك: أهكذا تفعل تلك النّدبة بك!!؟ كذا حال الومضة الخاطفة والتي تكشف عن جوّانية قاتلة، فجاءت الومضة نفثة مطفئة لتلك الجوانيّة الملتهبة!!! من يعرف: وبال النّدبة/الومضة، يقف تماماً على حال: - الجراح/ القصيدة -، ونحن بين فلسطين والمنفى: ندبة وجراح، تضيق، أو تتّسع!!! ولكنها... في النهاية.. "وجع قاتل" مقتله: نفثات من الشعر، أو جمرات كاوية من الصّبر، أو شاهدة موجعة التّفاصيل على حافّة القبر!!! تلك الأثافيّ الثلاث، والتي تكتمل بها حكاية الفلسطينيّ حيث يتواجد، وحيث يكون!!! .
... من هنا: فالقصيدة الفلسطينية تولد من الجمر الكامن في تلك الأثافيّ الثّلاث: والمشحونة بتضادات الّدنيا كلها: قصيدة تولد مجنونة الهواجس، وتحمل  عشقاً فريداً... وكاوياً بلذةٍ حدّ الإحتراق والموت، وتمرداً ضارباً في القصيدة حدّ الجنون، ومع ذلك: فهي عذبة حدّ البكاء، وطريّة النّداوة كعود القصب، ورشيقة كالغزال، وحادّة الطبّع كاللّبوة، وموغلة في الظّنّ حتّى لينتمي إليها صنوبر الأرض والبرتقال والتين والزيتون والزعتر، وما يرد على بال فلسطين من مجمل ما أنتجه الشعر والجرح، والأرض، ولكثرة حقول الجثث التي تعثرنا بها في طريقنا إلى الحياة، أدمنّا على وجع الشاهدات التي تحدثنا عن عشاقها الموجعين بالأنثى الأرض، ثم ماتوا من الوجد، وأحمد دحبور في قصيدته: "رهين الجثّتين"، يفرغ تلك الهواجس القاتلة في: 
-جعبته المليئة بالعشق والموت – ثم يتركها لنا... نسترجعها بحرقتها اللّاذعة لكي نحمل عنه وجع حمله/ حلمه القاتل.. لأنه في النهاية حملنا/ حلمنا جميعاً أبناء الأنثى التي ذبحتنا بعشقها للأبد:
... مرأةٌ أم صاعقه؟
دخلت فيّ من العينين، واستولت على النّبع،
ولم تترك لدمعي قطرتين
- أنت لن تجترحي معجزةً،
حتّى لو أيقظت شمساً تحت هدبي
غير أنّي منذ أن أصبحت نهراً،
دارت الدّنيا على قلبي،
وأنهيت إلى نبعي مصبّي
فاستحميّ بمياهي مرّتين
نحلة أم عاشقه؟
تركت روحي رمالا
وأعارتني نخيلاً وجمالا
وحلمنا أنّنا نحلم بالماء فيزرقّ التّراب
  1:34 PM 26/8/2012          *
... لن تميتيني كما شاء الأسى،
أو تشربيني في كتاب
غير أنّي منذ أن أضحيت صحراء،
نزعت الشمس عنّي
وجعلت الماء، في الرّمل، يغنّي
فاغرفي منّي سراباً باليدين
هل دمي صاعقة أم عاشقة؟
أم هي النّار التي توغرها حرب اثنتين؟ 
هكذا أمسيت، لا في الحرب،
لكن في حربٍ، وانتهاكاتٍ، ونارٍ عالقه...
            *
... تأتي لحظاتٌ على الشّاعر تختلط فيها الّرؤية الشعريّة بعضها ببعض، وتنفرج الكتابة بين النثر والشعر، ويتمردّ المتخيل على ما يكتب، وتتّسع المسافة بين الشاعر وقارئه: بحيث تنكسر الأجوبة عند الإثنين: ماذا يريد الشاعر؟ ولماذا لا يصعد القارئ لما يفلسفه الشاعر شعراً؟ وقد يطول النّصّ، فيستلبُ جمال الكتابة بطول النّصّ المفرط!!؟ وقد ينبش الشاعر ذاكرةً تعبانةً ليكتب، فتذهب الذاكرة في واد، والشاعر في واد، ويضيع الشاعر بين جثتين حفنةً من العمر ثم يعود بعد غياب للشاعر الحقيقي وفلسطين!!! عندها تعود العافية للشاعر وقصيدته، ثم يتابع فعله الشعريّ كما يرصده الوطن والقراء. 
تلك ملامح تجربة أحمد دحبور الشعرية ثم نأتي الآن على ملامح سيرته الذاتية!!! 
-الشاعر: أحمد حبور.
-ولد في حيفا عام 1946م – فلسطين.
-بعد نكبة عام 1948م غادر مع أهله إلى سورية، واستقرّ بهم المقام في حمص.
-تلقى تعليمه في المدارس السورية.
-كان المحرر السياسي لوفا – وكالة الأنباء الفلسطينية في سورية عام 1972م، وعمل مراسلاً ميدانياً لصحيفة فتح للفترة 1969م – 1970م وكذلك محرراً أدبياً لفترة 1971 – 1972م.
-كتب الشعر في فترة مبكرة كغالبية شعراء فلسطين الذين شبّوا وترعرعوا على وجع المأساة والمنفى وحلم العودة.
-كتب في الصحف العربية والمجلات، وحضر أمسيات وندوات ومحاضرات ولقاءات ثقافية عديدة.
-كتب الشعر والمقالة والنقد والأغنية والمسلسل التلفزيوني، وله: مسلسل: عز الدين القسّام.
- عمل سكرتير تحرير مجلة لوتس عام 1988م وما قبل ذلك، ورئيس تحرير مجلة بيادر للفترة من 1990 ولغاية 1993م.
-عمل مديراً لدائرة الثقافة في منظمة التحرير الفلسطينية، ثمّ مديراً عاماً لوزارة الثقافة الفلسطينية خلال عودته للوطن عام 1994م، ثم عاد لأهله في حمص.
-كتب نصوصاً لفرقة العاشقين.
-كتب أسبوعياً في جريدة الحياة... نقد وتحليل مجموعات شعريّة، وكذلك له مقال أسبوعي في جريدة الاتحاد والتي تصدر في حيفا.
إصداراته:
1.الضواري وعيون الأطفال – شعر – مطبعة الأندلس/حمص 1964م.
2.حكاية الولد الفلسطيني – شعر – دار العودة /بيروت 1971م.
3.طائرات الوحدات – شعر-دار الآداب/ بيروت 1973م.
4.بغير هذا جئت – شعر – اتحاد الكتاب والصّحفيين الفلسطينيين/ 1977م.
5.اختلاط الليل والنّهار – شعر – دار العودة/ بيروت 1979م.
6.واحد وعشرون بحراً – شعر – دار العودة / بيروت 1980م.
7.شهادة بالأصابع الخمس – شعر – 1982م.
8.كسور عشريّة – شعر – 1992م.
9.ديوان أحمد دحبور – تضمن سبع مجموعات أولى – دار العودة / بيروت 1983م

عدد القراءات : 42
2017-11-09
إلى الأعلى إرسال لصديق PDF طباعة إضافة تعليق
 
 
© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة القدس للثقافة والتراث