نتنياهو يتوعد إيران بالحرب بمؤتمر الأمن بميونخ    افتتاح معرض "المنفى عمل شاق" للفنان ديبي بالقدس    خلية من بيت لحم خططت لاغتيال ليبرمان    يافا الثقافي يستضيف مسرحية "وهنا أنا"    بعد 5 أشهر- جثمان الشهيد الجمل يوارى مسقط الرأس    لغة الشكل في أعمال الفلسطيني محمد أبو زريق    في رسالة النقد     أسئلة الأجيال    الشعر العربي في لحظته الراهنة من إبداع المختلف إلى ابتداع المألوف    اصابة 3 شبان برصاص الاحتلال في كفر قدوم
اليوم : 2018/02/20
القدس في 20/2
  متابعات ثقافية
اخترنا لك
المزيد
نشاطات المؤسسة
ندوات وأمسيات
مهرجانات ومؤتمرات
معارض فنية
إصدارات
آداب وفنون
الشعر
القصة والرواية
المسرح والسينما
الفنون التشكيلية
أدب النكبة
أدب الأسرى
المقالة
عين على فلسطين
دراسات ومقالات
تاريخي وجغرافي
عائدون
دليل القدس الثقافي
القدس اليوم
تاريخ القدس
آثار وعمران
القدس في عين الأدب
رواد مقدسيون
التراث الشعبي الفلسطيني
الأغنية الشعبية
الأمثال والمعتقدات
الحكاية
العادات والتقاليد
الزي
الصناعات اليدوية
المقالة التراثية
قضايا وآراء
من وحي القرآن
أعلام وعلماء
أحسن القَصَص
الشباب والإبداع
الشعر
النثر
الفنون التشكيلية
 
ما رأيك حول بعض ما طرحه زعماء عرب بضرورة التقرب والتطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي ؟






نتائج التصويت تصويتات سابقة
واحة الأدب والفن 
المكان ودلالاته في قصائد الفلسطيني جمال سلسع
أمين دراوشة

 يلعب المكان في الشعر الحديث دورا مهما في بنية النّص الشعري، ولكونه الحيز الذي تجري فيه الأحداث، وتقوم الشخصيات بنشاطاتها داخله، فقد عدّه بعض النقاد العمود الفقري للنص. كما للمكان السلطة الأقوى على المكونات الشعرية في النص، وله وقعه المؤثر على المتلقي، فهو دالّ يحمل الكثير من الحمولات الوجدانية والفكرية والتاريخية، فالمكان هو «هوية العمل الأدبي». فكيف تجلى المكان في عالم الشاعر الفلسطيني «جمال سلسع»؟

حيفا المدينة التي لا تنسى

يمثل المكان كل شيء بالنسبة للإنسان، الانتماء والمأوى الذي يجد فيه راحته وطمأنينته. والمكان هو التجربة الحقيقية، فحيفا ويافا والقدس في شعر جمال سلسع تعبر عن أجزاء من حياته. يقول في قصيدته الطويلة «على حبلِ الغيابْ»:
«تركتُ ظلالَ ذاتي …
بينَ أوجاعِ المنافي
دمعةً». 
في القصيدة يتحدث الشاعر عن منفاه، وعن فقدانه لذاته، ومن خلال الأسئلة (كيفَ ضاعتْ من يدي.. همساتُ نورٍ؟ كيفَ أتعبني الغيابُ) يستمر بالحديث عن حيفا ويافا، والشوق الحارق لهما، فهما في القلب والروح، يقول:
«وآهَ…
قلتُ يا ألقاً…
يمورُ بقلبي
لا…لا…. تنطفي
لا شيءَ غيرُكَ،
من يُضيءُ طريقَ حلمي
في الضبابْ!
على نسيانِ ذاكرتي
تُلَملِمُ فيَّ تعزِيةُ،
حَنينُ الشوقِ»
فالشوق الذي يخلخل حياة الشاعر، ولا يجعله يستكين، يرحل به، يقول:
يَحمِلُني…
فينهضُ في دموعِ البرتُقالِ، 
يَهزني شجرُ…
على أوجاعَ يافا…
في يديه سراجُ أمِّي
كيفَ تخطُفني الظنونُ،
ولا يزال سراجُها
فيَّ الإيابْ؟»
يكرر الشاعر كلمة السراج العديد من المرات، والسراج معناه حسب المعجم الوسيط .. «مِصْبَاحُ زَيْتٍ مُكَوَّنٌ منْ إنَاءٍ في وَسَطِهِ فَتِلةٌ تُضِيءُ»، وهو في يد أشجار حيفا ويافا ينير دربه في عتمة الغربة، ويدله على طريقه الصحيح، وبواسطته يضمن الشاعر عدم الدخول في غابة الضياع إلى الأبد، وتستمر الأسئلة:
«كيفَ أجمعُ قمحَ روحي
فوقَ سقفِ غمامةٍ؟»
فالشاعر يشعر بالاغتراب وأنه يعيش زمن السراب، تجربة نفسية، تأخذ موقف عدم القبول بالواقع، هذه التجربة تولد عادة من «الإحساس بأن هوّة فسيحة تفصل عالم الواقع عن عالم المثال الذي يصبو إليه الفرد. وتزداد مشاعر عدم الرضى والرفض وما يرافقها من غضب ونفور ويأس وقلق، وبازدياد الشعور باتساع هذه الهوّة». فالمغترب يعيش في صراع مع مجتمعه، ويرفض الركائز التي يقوم عليها من اتجاهات ومنطلقات وطرق حياة، وبهذا «فقد يغترب الإنسان عن المجتمع كله». 
إن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الوطن العربي، تشعر الإنسان العربي بالعقم والعجز، وألا مفر بالعيش في ظل الهزائم، إلا أن غالبية الشعراء العرب يرفضون كل ذلك، فشعرهم ينبض بالرفض والتمرّد والثورة. ورأينا كيف يغرق الشاعر في وحل الاغتراب، ومحاولاته التي لا تفتر في النهوض بنفسه وبوطنه، ليكون نجمة تنير طريقه، وليشع حبا وعلما. ويعيش الشاعر على أمل أن يسمع من جديد هديل الحمام.. وتظل أمه العنوان الرئيس الذي يهدي طريقه الشائكة.
«عرقي على روحي…
وظلِّي يمشي
نحو سراجِ أمِّي
كيفَ يسألُني المكانُ،
هويَّتي؟
عرقي على بوحِ السنابلِ،
يجري…
مثلَ نبوءةٍ…
نقشتْ على وجهِ المدى
شمسَ الجوابْ؟
المكان وسؤال الهوية
والمكان الذي تغير وتبدل بفعل الاحتلال، يسأل الشاعر عن هويته؟ فيجيبه إن عرقه ما زال على السنابل كذكرى لا تمحى. فالمكان لدى الشاعر جزء لا غنى عنه من الهوية، باعتباره رمز الانتماء إلى الأرض، وهو الأداة التي يستخدمها الشاعر لمراجعة ذاكرة الوطن المسروق. ينتج المكان شعريا من خلال تصورات تاريخية واجتماعية وسياسية وفلسفية، وتأخذنا الصور الشعرية بما تحمله من دلالات إلى تأثير المكان في النفس وارتباطاته النفسية والاجتماعية، فالارتباط بالمكان، والاستنجاد بذاكرته في المنفى يحمي الشاعر من الانزلاق في متاهات الاغتراب القاسي. يركز الشاعر على كلمات من قبيل القلق، والغياب والوجع والألم والآهات، المتاهات، العذاب، يقول:
«كيفَ تمادى في قلقي غيابي؟
كيفَ ظلَّتْ آهتي في مقلتي
تتبادلُ الأحزانَ مع وجعي؟
وظلَّ الكذبُ في فمهمْ…
يعذِّبُ نخوتي!
ما جاءَ منْ أحدٍ…
سوى نورِ السراجِ،
يردُّ عن قلبي العتابْ!»
ولكن الريح تسرق سراج أمه، فيقع في حزن لا دواء له:
«أهذي الريحُ تخطفُ من يدي
هذا السراجَ،
سراجَ أمِّي…؟
كيفَ أسندُ همَّ قلبي…
فوقَ أحزانِ المكانِ،
بغيرِ ضوءِ سراجَها
فأرى على عطشي الرِّضاب؟»
ورمز الريح في الشعر العربي الحديث من أشهر الرموز فلا يكاد يخلو ديوان شعري منه، إن الريح في شعر جمال سلسع تتضمن دلالات الاحتلال والبغض والحصار والدمار.

المكان والذات

إن الشاعر الفلسطيني يرسم دائما المكان في شعره، لأنه مرتبط بوشائج اجتماعية وسياسية وثقافية، والمكان هو لب الصراع مع الآخر العدو، الذي استولى على المكان، وهجر سكانه الأصليين، موظفا قوته العسكرية الجبارة وأساطير دينية وتاريخية، بينما وظف الشاعر الفلسطيني مخزونه الديني والتاريخي والجمالي في قصائده، وبدا شعره وكأنه لوحة ترسم فوق أرض لا تنسى. فهوية الذات الشاعره هي هوية المكان كما إن هوية المكان هي هوية الذات، ويظهر هذا جليا عند احتكاك الذات مع الفضاء الخارجي، إن الذات الشاعرة تبحث عن ممارسة حريتها في المكان شعريا، بعد أن عجزت بسبب الاحتلال عن ممارسة حريتها في المكان الواقعي. يحاول الشاعر عبر قصائده أن يبرز صورا للمدن الفلسطينية ثابر الاحتلال على طمسها، فحضور المكان الطاغي له دلالاته، وتشابكه مع ما يعيش فيه وتفاعله معه يشكل هوية الشاعر الشعرية، باعتبار الأرض تضم الأم والأب والبيت القديم، والذكريات الحميمية، فالشاعر يستذكر الأيام الخوالي وألم المنفى، يقول:
«دموعُ البرتقالِ،
يهزُّها شجرُ… 
على أوجاعِ حيفا
في يديها سراجُ أمِّي
كيفَ يذبحُني انتظارُ
لا يزالُ سِراجها…
يشتاقُ قمحَ يديَها» 
إذن هو غياب العائلة عن حيفا الجميلة ويافا البرتقال الحزين والحنين الذي لا ينضب لهما. ويضيف:
«على صفصافَ وقتي
والدخانُ تلاشى من قلقي؟
أيصطادُ الرؤى وهمُ؟
سراجُكِ أمِّي…
خلَّص الخطوَ
من ليلِ الجسورْ!
أتدري أنَّ ظلَّ سراجِها
مثلُ الهديلِ،
يحطُّ
في لغةِ اغترابي
الشمسَ؟
يبدأُ منْ شظايا الروحِ،
هزَّ نخِيلُهُ… وطناً».
فسراج أمه يهزم الليل، وظله كحمامة صوتها الحنون يلملم شتاته، ويقوده صوب الشمس، وتكون النتيجة إن حيفا تظهر بأبهى صورة، يقول:
«فتأتي حيفا من فرحِ الشواطئِ، 
دهشةً…لا…
لا يُفارِقُها الحضورْ
غدي في داخلي…
يمشي على نخلي…
وشرفةُ سجني…
قد ردَّتْ جوابَ عتابِها
فعلى ثرى الإيقاعِ،
غرَّدَ فوقَ عُشِّ سِراجِها
طيرُ الحبورْ».
فحياة الإنسان مغامرة في المكان .. ففيه يولد، وفيه يترك بصماته كما ويترك المكان علاماته في حياة الإنسان، وعند نهاية مغامرته فإنه يرجع إليه، ففي النهاية لا بد للمنفي أن يعود إلى أرضه التي يحبها، ومدينته الساحرة، والاحتلال إلى زوال.

المصدر : http://www.alquds.uk/?p=889602
عدد القراءات : 45
2018-02-06
إلى الأعلى إرسال لصديق PDF طباعة إضافة تعليق
 
 
© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة القدس للثقافة والتراث